الأحد، 8 سبتمبر، 2013

سياسة القهر في دولة الشريعة الاسلامية


اعتقلت الناشطة أميرة عثمان يوم 27 أغسطس 2013 بتهمة "الزي الفاضح" تحت المادة 152 من القانون الجنائي وذلك لعدم استجابتها لأوامر رجل الشرطة بوضع الطرحة على شعرها. رفضت أميرة المحاكمة الايجازية وأصرت على حقها في تمثيلها بواسطة محامي و اختارت أن تتحدث وتوجه دعوة للجميع لحضور محاكمتها يوم الأحد 1 سبتمبر 2013. وجدت أميرة قرابة المائة شخص، رجالاً ونساء في انتظارها أمام ساحة المحكمة عندما حضرت مرتدية نفس الملابس التي كانت ترتديها ساعة القاء القبض عليها، وأجلت المحاكمة لغياب القاضي.
 
أميرة عثمان بعد تأجيل المحاكمة، مصدر الصورة https://www.facebook.com/photo.php?fbid=160622257476136&set=a.160540914150937.1073741829.126831357521893&type=1&theater
قبيل أسابيع قليلة، أطلق سراح نور الهادي عباس، شيخ ومعالج تقليدي بعد اتهامه باغتصاب طالبة جامعية والحكم عليه بالسجن 10 سنوات والجلد مائة جلدة وفقاً لعفو بقرار رئاسي. نور الهادي لم يجلد قط وقضى عاماً واحداً في السجن. في الاسلام يعفو الله عن جميع الآثام عدا التي تتضمن ظلماً للبشر وانتهاكاً لحقوقهم، أما البشير رأس الدولة الاسلامية فقد منح نفسه حق العفو في مظالم الناس، وقد اعترف قبل شهور قليلة بمسئوليته عن دماء المسلمين التي سُفكت في دارفور ذاكراً أنه مساءل فقط أمام الله لأن حرمة قتل النفس لا يمكن معاقبتها في الحياة الدنيا.

استولت الجبهة الاسلامية القومية على الحكم عام 1989 بانقلاب عسكري وترجمت فكرها الاسلامي في "المشروع الحضاري" الهادف لإعادة صياغة الانسان السوداني وجعله "أكثر اسلاماً". ركز هذا المشروع على فرض معايير أخلاقية محددة ترتبط مباشرة بالتحكم في أجساد وسلوك النساء وذلك عبر وضع عواقب قانونية لإنتهاك هذه المعايير وتعريفها كشرط للاسلام الصحيح واجتماعياً عبر توجيه المجتمع للقهر تحت مسميات الرجولة والاسلام.

فُرض الحجاب على النساء السودانيات طيلة الأربعة وعشرين عاماً الماضية، ويعاقب الزي الفاضح الذي اتهمت به أميرة لعدم تغطية شعرها بالجلد، الغرامة أو السجن. معايير الزي الفاضح يحددها رجال الشرطة الذين يتفحصون أزياء النساء بصورة عشوائية في الشارع باحثين عمّن ترتدي بنطالاُ ضيقاً ، تنورة متوسطة الطول أو قميصاً بأكمام قصيرة أوببساطة في بعض الأحيان من لا تضع الخمار على رأسها. تعتقل كل عام الآلاف من النساء، تتم مساومتهن، جلدهن، سجنهن وتغريمهن بسبب ما يرتدينه. يوجه الإتهام بالدعارة للتواجد في مكان الدعارة الذي كما عرفه القانون يمكن أن يكون سيارة، مكتب، قاعة دراسة أو حتى شارعاً مظلم. تخرج قليل من هؤلاء النساء الى العلن مثلما فعلت أميرة ليتحدث عن ما مررن به خوفاً من الوصمة الاجتماعية بعدم الاخلاق والاسلام.

إن تفسير الحجاب في القرآن الكريم يختلف كثيراً بين الطوائف، حيث يرى السنة الوهابيون وجوب النقاب وتغطية الوجه، تتمسك كثير من الطوائف بكشف الوجه والكفين كما يرى البعض أن الحجاب ليس جزءاً من الاسلام بل الثقافة العربية. قبل أربعة عشر قرن وفي عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مجتمع شبه الجزيرة العربية البدوي لم تجلد أو تعاقب النساء لعدم ارتدائهن الحجاب. بالطبع لا تحاول الجبهة الاسلامية تحويل السودان لمجتمع أكثر اسلاماً من مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم بل منح قهر النساء سلطة إلهية. أن حكومتنا " المسلمة" التي تصف الشيعة بالمشركين والخارجين  عن الملة، تمنع أنشطتهم (هذا يعتمد على العلاقات الدبلوماسية مع ايران والمملكة العربية السعودية) وتهاجمهم لفظياً خلال خطب الجمعة ولكن القضاة لايتوانون عن اصدار أحكام بالرجم كما حدث العام الماضي على اثنتين من النساء بناءاً على المذهب اليزيدي الجعفري الذي يبيح رجم الزانية المحصنة حتى وان لم يتم اتهام شريك ذكر في الجريمة. ويبدو من هذا المثال أن النظام يبحث عن أكثر الفتاوى تشدداً وقهراً للنساء حتى وإن كان على خلاف كبير مع مصدرها.

انني على قناعة بأن ما يحدث في السودان لا علاقة له بالاسلام بل بسياسات القهر. كإمرأة مسلمة أتمنى أن أرى نهوض المسلمين رجالاً ونساء ضد الانتهاكات الممارسة باسم الدين. مبدئياً يرتبط وجودنا في هذه الدولة بوضعنا كمواطنين نتمتع بالحريات والحقوق وليس بوضعنا كمسلمين أو غير ذلك. إن الدين كقناعة شخصية لا يجب أن يكون من شؤون الدولة أو أداة لظلم واذلال البشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق